جلال الدين السيوطي
87
الأشباه والنظائر في النحو
السابقة . أمّا إذا قيل : « إن قمت إن قعدت فأنت طالق » ، فإنّه لا يمكن أن يقدّر في ذلك : إن قمت قاعدة ، فإنّ هذا من المحال ، وينبغي على قوله أنّها لا تطلق . وكذلك إذا لم يجتمع الفعلان في العادة ، وإن لم يتضادّا نحو : « إن أكلت إن شربت » وكذلك إذا قال : « إن صلّيت إن توضّأت أثبت » ، فإنّه لا يصحّ أن يقدّر : إن صلّيت متوضّئا ، بمعنى موقعا للوضوء ، فإنّهما لا يجتمعان . الثالث : أنّ الشرط بعيد من مذهب الحال ، ألا ترى أنّه للاستقبال ، والحال حال كلفظها وبابها المقارنة ؛ وإذا تباعد ما بين الشيئين لم يصحّ التجوّز بأحدهما عن الآخر . وقد نص هو على أنّ الجملة الواقعة حالا شرطها ألّا تصدّر بدليل استقبال ، لما بينهما من التّنافي . نعم رأيت في مسائل القصريّ عن الشيخ أبي علي - رحمه اللّه - إجازة ذلك في نحو : « لأضربنّه إن ذهب أو مكث » و « لأضربنّه إن ذهب وإن مكث » . والذي يتحرّر لي أنّ الحال - كما ذكر النّحاة - على ضربين : حال مقارنة ، وحال منتظرة وتسمّى حالا مقدّرة « 1 » ، فالأولى واضحة ، الثانية نحو : فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] ، فإن الخلود ليس شيئا يقارن الدخول ، وإنما هو استمرار في المستقبل . ويقدّر النحويّون ذلك : ادخلوها مقدّرين الخلود . وكذلك لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ [ الفتح : 27 ] أي : مقدّرين ، فإنّهم في حالة الدخول لا يكونون محلّقين ومقصّرين ؛ إنّما هم مقدّرون الحلق والتقصير فهذه الحال لا يمتنع اقترانها بحرف الاستقبال لأنّها مستقبلة بخلاف الحال الأولى . وعلى هذا صحّة مسألة أبي عليّ وصحّة تخريج المصنّف مسألة الشّرط ، أعني صحّتها من هذا الوجه ، لا صحّتها مطلقا ، فإنّها معترضة بغير ذلك . نعم ، ويتّضح - على هذا - بطلان تعميم ابن مالك امتناع اقتران الحال بحرف الاستقبال . وقد اتّضح الأمر في تحقيق هذين الوجهين والحمد للّه . والمذهب الثاني : فيما يقع به مضمون الجواب الواقع بعد الشرطين : حكى لي بعض علمائنا عن إمام الحرمين - رحمه اللّه - أنّ القائل إذا قال : « إن ركبت إن لبست فأنت طالق » كان الطلاق معلّقا على حصول الرّكوب واللّبس سواء أوقعا على ترتيبها في الكلام ، أم متعاكسين أم مجتمعين . ثم رأيت هذا القول محكيّا عن غير الإمام رحمه اللّه . والذي يظهر لي فساد هذا القول ، لأنّ قائله لا يخلو أمره من أن يجعل الجواب المذكور لمجموع الشرطين ، أو للأوّل فقط ، أو للثاني فقط .
--> ( 1 ) انظر المغني ( ص 517 ) .